بكداش وعرقة البوظة في دمشق

البوظة العربية مازالت المفضّلة عند أهل الشام وزوارها ، يسميها الدمشقيون "قيمع العرب"




ليست الموسيقى مقتصرة على آلات العزف فقط ومقيدة بصانع اللحن

فحسب، وإنما لها آلات مختلفة بصوت غامض رتيب، فما أن تصل إلى

سوق الحميدية في قلب العاصمة السورية دمشق وينتصف الطريق بك

حتى تبدأ النغمات الرتيبة تصدح بصوت خفيف وسط أذنيك ودون أن تشعر

تهيئ أذنك اليمنى قبل اليسرى محاولاً استقراء ما تسمع، وما أن تتعدى

فسحة الضوء المحيطة بالمكان ضمن محور تتفرع عنه أربعة مفارق

حتى يزداد الصوت وضوحاً، وتتلاحق النغمات مخلفة صدىً متبعثراً هنا

وهناك بين المارة والبائعين والسياح، وتتابع خطاك متوغلاً في السوق

أكثر فأكثر.. وكلما اقتربت من الجامع الأموي شعرت بعلو النغمة لتصبح

واضحة بإيقاع غريب، وإذ بنفسك تقف أمام بكداش مطعم له من العمر ما

يزيد على خمسين عاماً يختص في دق البوظة العربية بفنون خاصة

بالتجهيز والتحضير، وطهي وتزيين أطباق المحلاية الشهية بالفستق

الحلبي والسمسم وجوز الهند، والتي تقدم ساخنة أو باردة حسب

الرغبة.
ولهذا المحل عراقة ممتدة في جذوره فيه أماكن مخصصة

للعائلات وما زالت إلى اليوم تزوره السيدات اللواتي أتعبهن التسوق

والحرّ.. يدخلن دون حرج لتناول البوظة وهن يرفعن طرف الخمار ليلتهمن

البوظة بشهية.. وإذا ما نظرت إلى صالته العائلية رأيت مائدة حافلة تجمع

حولها العديد من القادمين إليها يأكلون ويتحادثون وكأنهم أسرة واحدة

في منزل واحد.. وفي ذلك الوقت لم تكن هناك مقاه أو مقاعد موضوعة

فوق الأرصفة فكان محل بكداش يمثل ظاهرة حضارية لا مثيل لها،

وتأخذك رؤية أخرى في عالم بكداش وفن الدقّ في صنع البوظة

الدمشقية العريقة فترى العاملين فيه يدقون البوظة بعصيّ خاصة

ضربات متزنة ومنتظمة داخل براميل معدنية واسعة مزدوجة الطبقة

وتدور باستمرار، وما تلك الموسيقى الغامضة بإيقاعها الرتيب إلا صوت

عصا الدقاق التي تنزل على البوظة بضرباتها حتى تصخب وتصبح جاهزة

وتقدم بالفستق الحلبي واللوز أو بالقشدة.

ترى كيف تصنع هذه البوظة؟ وبأي طريقة يتم تجهيزها؟ وما هو الفن

الذي اكتشفه التراث القديم لصنع »قيمع العرب« هذا؟.. تعالوا نتعرف

على »الدندرمة« وكيف يصنع هذا »القيمع« الذي تسمى البوظة

المصنوعة من الحليب باسمه، وهي من ألذّ أنواع المثلجات في بلاد

الشام وتكاد مدينة دمشق تختص بها.. وقبل أن نتحدث عن فن

صناعة »قيمع العرب« علينا أن نتساءل عن مصدر التسمية التي أطلقت

على الصناعات المثلجة الحليبية، دعاها العثمانيون »كايماك« والجواب

ينفي بشكل قاطع مصدر الكلمة العثماني وينغرس في أعماق البادية

والحواضر التي تشتهر بكثرة الأغنام والبقر والجاموس.. يحلب الغنم في

المساء ثم يترك الحليب مسطوحاً داخل الأوعية حتى الفجر وأثناء الليل

تتشكل فوق الحليب الذي لم يغلِ بعد »القشدة« التي تسمى في بلاد

الشام »القشدة النيئة«، وهي ذات قوام خفيف.. المرحلة التالية هي

غلي الحليب كي لا يفسد، وعادة عندما يبرد الحليب يبقى ملتصقاً

بالوعاء نوع من القشدة المتشكلة التي تلم باليد حول استدارة الوعاء

فتنفك عنه مشكّلة ما يشبه »القمع« أو »القيمع« وهذه الكلمة تصغير

للقمع.. وهذه القشدة المتوسطة السماكة والمختلفة اختلافاً تاماً عن

القشدة النيئة هي »قيمع العرب«، وقرن اسم العرب بها لأنهم اشتهروا

بصناعة الألبان، أما بعد الغليان فتتشكل "القشدة المغلية" وهي أشد

كثافة ودسماً من السابقتين، وحين عرفت البوظة التي تؤكل في

الأقماع أطلق عليها تجاوزاً »قيمع العرب« شاملاً كل أنواع القشدة

وانطلق القيمع البدوي ليصبح »كيمكا« عثمانياً، وما لبث أن عاد إلينا ليباع

في الأسواق وهو من فنون بلاد الشام.. وقد أطلق عليه

اسم »دندرمة«.. وهي لا تحضّر في البيوت عادة لصعوبة تصنيعها وعدم

توفر الأدوات اللازمة لتصنيعها وتحضيرها في البيوت.

أما طريقة تحضير البوظة فهي على النحو التالي يأتى بالثلج، ويوضع فيه

الملح كي يهبط حرارته لأن الحليب بما فيه من ملح وسكاكر لا يتجمد

بدرجة الصفر فيحتاج إلى درجة أقل يوفرها الثلج المملح، فيوضع الثلج

في البرميل مع الملح ثم يصبّ فوقه الحليب المغلي مع قليل من النشاء

بما يشبه المهلبية الرقيقة القوام، ومن ثم يوضع هذا الحليب في برميل

أصغر يوضع داخل برميل الثلج والملح.. والفن الذي اكتشفته الخبرة

التراثية هو أن يدور الحليب باستمرار مع آنيته كي يلامس أكبر سطح من

الوعاء البارد، فتتجمد الطبقات الحليبية الملامسة لسطح البرميل، ثم يتم

كشط الطبقات المتجمدة حيث تجمّع في برميل آخر مجمد ثم يعاد إلى

تدوير البرميل الذي يحتوي على الحليب حتى يتجمد الحليب كله

ويكشط، وبعده تأتي العملية الأكثر حساسية حين تبدأ عملية الدق..

تدق البوظة أو الدندرمة لأن تجمّد الحليب يحدث بشكل بلورات كبيرة

تصبح أثناء الدقّ بلورات ناعمة حتى تذوب في النهاية، فيكون »القيمع«

أو البوظة قد أصبح جاهزاً ويضاف إليه الفستق الحلبي أو القشدة والتي

تعتبر مفخرة فنية من فنون الصناعات التراثية وهي لا تزال تحتل المرتبة

الأولى بين الدمشقيين على الرغم من انتشار »الآيس كريم« وغيرها

من المثلجات.

 

 

(2) تعليقات


Add a Comment

اضيف في 28 يناير, 2009 12:30 ص , من قبل baderalbedorr
من سوريا

مشكور جاري العزيز على هذه المعلومات الجميلة .
وفقك الله ، وننتظر المزيد منك .


اضيف في 29 يناير, 2009 12:05 م , من قبل draiman
من سوريا

والله تستحق ان يسن قانون باعتبارها ارث وطني وتراث نفخر به

شكرا اخي




Add a Comment

<<Home